الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
295
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والفرح ولكن السياق سياق ضد المسرة ، وبيانه بقوله : إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ يؤيد ذلك ، فالفكاهة : المسرة والانبساط ، وادعى الكسائي أنها من أسماء الأضداد واعتمده في « القاموس » إذ قال : وتفكه ، أكل الفاكهة وتجنب عن الفاكهة ضده . قال ابن عطية : وهذا كله - أي ما روي عن ابن عباس وغيره في تفسير فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ - لا يخص اللفظة ( أي هو تفسير بحاصل المعنى دون معاني الألفاظ ) والذي يخص اللفظة هو تطرحون الفاكهة ( كذا ولعل صوابه الفكاهة ) عن أنفسكم وهي المسرة والجذل ، ورجل فكه ، إذا كان منبسط النفس غير مكترث بشيء اه . يعني أن صيغة التفعّل فيه مطاوعة فعّل الذي تضعيفه للإزالة مثل قشّر العود وقرّد البعير وأثبت صاحب « القاموس » هذا القول ونسبه إلى ابن عطية . وجعلوا جملة إِنَّا لَمُغْرَمُونَ تندما وتحسرا ، أي تعلمون أن حطم زرعكم حرمان من اللّه جزاء لكفركم ، ومعنى لَمُغْرَمُونَ من الغرام وهو الهلاك كما في قوله تعالى : إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً [ الفرقان : 65 ] . وهذا شبيه بما في سورة القلم من قوله تعالى : فَلَمَّا رَأَوْها قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ إلى قوله : إِنَّا كُنَّا طاغِينَ [ القلم : 26 - 31 ] . فتحصل أن معنى الآية يجوز أن يكون جاريا على ظاهر مادة فعل تَفَكَّهُونَ ويكون ذلك تهكما بهم حملا لهم على معتاد أخلاقهم من الهزل بآيات اللّه ، وقرينة التهكم ما بعده من قوله عنهم إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ . ويجوز أن يكون محمل الآية على جعل تَفَكَّهُونَ بمعنى تندمون وتحزنون ، ولذلك كان لفعل تَفَكَّهُونَ هنا وقع يعوضه غيره . وجملة إِنَّا لَمُغْرَمُونَ مقول قول محذوف هو حال من ضمير تَفَكَّهُونَ . وقرأ الجمهور إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بهمزة واحدة وهي همزة ( إنّ ) ، وقرأه أبو بكر عن عاصم أإنا بهمزتين همزة استفهام وهمزة ( إن ) . [ 68 ، 69 ] [ سورة الواقعة ( 56 ) : الآيات 68 إلى 69 ] أَ فَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ ( 68 ) أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ ( 69 ) هذا على طريقة قوله : أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ [ الواقعة : 63 ] الآية ، تفريعا واستفهاما ، وفعل رؤية . ومناسبة الانتقال أن الحرث إنما ينبت زرعه وشجره بالماء فانتقل من الاستدلال